القرطبي

257

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

مع سكوت أولياء الدم عن طلب حقّهم ، ففي تركهم له أوضح دليل . وكذلك فعل معاوية حين تمّت له الخلافة وملك مصر وغيرها بعد أن قتل عليّ رضي اللّه عنه لم يحكم على واحد من المتّهمين بقتل عثمان بإقامة قصاص ، وأكثر المتّهمين من أهل مصر والكوفة والبصرة ، وكلهم تحت حكمه وأمره ونهيه وغلبته وقهره ، وكان يدّعي المطالبة بذلك قبل ملكه ويقول : لا نبايع من يؤوي قتلة عثمان ولا يقتصّ منهم ، والذي كان يجب عليه شرعا أن يدخل في طاعة عليّ رضي اللّه عنه حين انعقدت خلافته في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومهبط وحيه ومقرّ النبوة وموضع الخلافة ، بجميع من كان فيها من المهاجرين والأنصار بطوع منهم وارتضاء واختيار ، وهم أمم لا يحصون وأهل عقد وحل ، والبيعة تنعقد بطائفة من أهل الحل والعقد ، فلما بويع له رضي اللّه عنه طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكّن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم فقال لهم علي عليه السلام : ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه . فقالوا : لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك ، نراهم صباحا ومساء . وكان عليّ في ذلك أسدّ رأيا وأصوب قيلا لأن عليا لو تعاطى القود معهم لتعصّب لهم قبائل ، وصارت حربا ثالثة فانتظر بهم إلى أن يستوثق الأمر وتنعقد عليه البيعة ، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم ، فيجري القضاء بالحق . قال ابن العربي أبو بكر : ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى إلى إثارة فتنة أو تشتيت الكلمة ، وكذلك جرى لطلحة والزبير فإنهما ما خلعا عليا من ولاية ولا اعترضا عليه في ديانة ، وإنما رأوا أن البداية بقتل أصحاب عثمان أولى . وذكر ابن وهب قال : حدثني حرملة بن عمران ، عن يزيد بن أبي حبيب ؛ أنه سمعه يحدث محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي قال : اصطحب قيس بن خرشة وكعب الكناني حتى إذا بلغا صفّين ، وقف كعب ثم نظر ساعة ، فقال : لا إله إلا اللّه ؛ ليهرقنّ في هذه البقعة من دماء المسلمين ما لم يهرق ببقعة من الأرض ، فغضب قيس ، ثم قال : وما يدريك يا أبا إسحاق ما هذا ؟ فإذا هذا من الغيب الذي استأثر اللّه تعالى به . فقال كعب : ما من شبر من الأرض إلا هو مكتوب في التوراة التي أنزل اللّه على موسى بن عمران ما يكون عليه إلى يوم القيامة « 1 » . أخبرنا شيخنا القاضي لسان المتكلمين أبو عامر يحيى بن الشيخ الفقيه الإمام أبي الحسين بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري ، إجازة عن شيخه المحدث الثقة المؤرخ

--> ( 1 ) إسناده ضعيف . محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي ؛ « مجهول الحال » كما في « التقريب » .